Read

من بره سخام ومن جوة سخام. والحياة أرخص ما نملك

By December 20, 2019 January 19th, 2020 One Comment

والله اذهاننا احيانا تحير. خاصةً عندما ندرك ونعي الذكريات العشوائية التي نحتفظ بها والتي تظهر في مواقف غريبة على ما يبدو وأوقات تبدو كأنها في غير وقتها زي ما بيحكوا. كان صباح الأمس مثالاً على ذلك، عندما ظهرت في ذهني من حيث لا ادري مقابلة مع المغفور له الملك الراحل الحسين يعاتب فيها أعضاء مجلس النواب لعدم قيامهم بالمهمة التي تم انتخابهم للقيام بها وهي تمثيل المواطن المسكين وحماية حقوقه. كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها أن الملك في عظمته في الواقع إنسان مثلي ومثلك – أب قلق على صحة أطفاله، يعيش كما نعيش، يتنفس نفس الهواء الذي نتنفسه. كان يتساءل مستغربا إن أعضاء البرلمان لم يثيروا قضية الأبخرة السامة المنبعثة من مداخن مصنع الأسمنت في الفحيص، وكيف أنه —الملك— وأطفاله نتيجة لذلك كانوا يعانون من الحساسية ومشاكل التنفس. الملك الحسين أب، إنسان مثلك ومثلي مستغرب ان المسؤول لا يحميه.

فكرت في الملك الحسين أمس طويلًا. فكرت في أطفالنا. فكرت في التربة والهواء والأرض التي ندنسها والأكذوبة التي نعيشها وأصبحنا نصدقها.

أنا واحدة من البشر المحظوظين اللواتي لم يعد عليهن أن يتنفسوا الأبخرة السامة للإسمنت في الفحيص ، ليس بفضل النواب بالتأكيد، ولكن حتمًا لإنسانية الملك الحسين وكوارث وتغيرات الاقتصاد والخصخصة وتبعاتها (والتي لا افهم منها شيئا أصلا). اختارت عائلتنا أن تعيش في الفحيص لأنها واحدة من آخر المناطق في عمان التي احتفظت بطبيعتها نوعًا ما ولم تغرق بعد بالحجر والعمران حيث لا يزال بإمكانك أن تتمتع بمناظر طبيعية دون عائق. لا أنسى صباح يوم باكر في الأسبوع الأول من انتقالنا للفحيص سماع ما بدا وكأنه خنزير. وعندما نظرت إلى الأرض بجوار سور منزلنا، رأيت خنزير صغير وردي اللون ربما هارب من مزرعة خنازير قريبة. يبدو ان الحنين للأرض وعيشة المزارعين مغروسة في ال DNA الطفيلي بدمي.

لسوء الحظ، فإن التضاريس وطبيعة الفحيص يجعل من الصعب للغاية ممارسة رياضة الجري. كلنا يعلم أن مدينة عمان ليست مبنية لاستيعاب أو تشجيع أي نشاط بدني من أي نوع وخاصة المشي / الجري وركوب الدراجات الهوائية. (على مين نكذب؟ حتى السواقة خطرة هالايام. الخروج من البيت اصبح رياضة متطرفة!) لا أعرف مثلا غاية الأرصفة التي لدينا: هل هي مخصصة للأشجار؟ أو لإقامة مسافة بين المباني والشوارع؟ أم أنها ديكور بحت؟ لا يوجد فيها اَي نوع من الاستمرارية الآمنة واستخدامها خطر وتصرف ثوري بحد ذاته، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن. لذلك معظمنا من المواطنين المجازفين الذين يصرون على المشي نختار المشي على جانبي الشوارع حتى اننا لم نعد نميز الرصيف من الشارع، الى ان نسمع عن حادث مأساوي ونتذكر حالنا ونتحسر على وضعنا. لكن قصتي اليوم لا تتعلق بحالة أرصفتنا وشوارعنا. أعتقد أن معظمنا قد تخلى عن تلك المعركة منذ زمن طويل. كما أنني لا أعتقد أننا على استعداد لتحمل أي مشروع تصحيحي جديد يتدارك اخطاء قرون من سوء التخطيط وقصر النظر والجهل. الفوضى التي نعاني منها اليوم بسبب العمل على مسارب الباص السريع كافية لتكميم اَي فم وإسكات اَي قلم. 

انا طلبي بسيط اليوم. لا يختلف كثيرًا عن طلب الحسين. بدّي هواء نظيف تتنفسه. ومسؤول اثق به.

اخترت أن أجري في ما أشعر أنه أجمل المناطق وأكثرها أمانًا في عمان: دابوق ومنتزه الملك الحسين. الأرصفة في حالة أفضل نسبيا. التضاريس سلسة. والمنطقة تهتم بها الأمانة نسبياً، لا سيما لانها حي الملك عبد الله. وأنا لست وحدي في هذا الرأي. تحظى المنطقة بشعبية كبيرة بين الأشخاص الذين يمارسون رياضات المشي والجري وركوب الدراجات. المنطقة تذكرني كثيرا بالمدن الأوروبية وأمريكا الشمالية خاصة في وقت متأخر بعد الظهر عندما أقود سيارتي وأرى أشخاصًا من جميع الأعمار على شوارعها مع كلابهم. بالطبع يجب الإشارة إلى أن هذا التشبيه نسبي. فالمنطقة مثالية لممارسة الرياضة مقارنة بمناطق أخرى في عمان، ولكن بالتأكيد لا تقارن بالدول الأكثر تقدماً التي تقدر الطبيعة والبيئة وصحة مواطنيها المتصلة تمامًا بصحة الطبيعة والأرض والتي تعكس هذا التقدير باستراتيجيات وخطط وبرامج تأخذ في الاعتبار تمثيل وتطبيق مفهوم العافية والصحة. ما زلت أرى القمامة في كل مكان حولي، وبعضها للاسف يخلفه ضباط الشرطة الذين يجوبون الشوارع. اصحاب الكلاب لا ينظفون مخلفات كلابهم فيتركونها متناثرة في الشوارع والأرصفة “سماد” للأسفلت! داخل الحديقة نفسها، في حين أنها نسبيًا انظف من غيرها، يشعل الناس الفحم للنارجيلة و”الهش والنش” تحت الأشجار على الرغم من أن الحرائق محظورة بوضوح. ويتركوا القمامة ومخلفات نزهتهم وراهم. إنه لأمر محزن للغاية أن أعترف بذلك، لكنني أشعر أن هذا الأمر أصبح شيءًا نتوقعه وقد ارتفع مستوى تسامحنا مع الأوساخ حتى اننا أصبحنا لا نراها ونقبلها كجزء لا يتجزأ من بلدنا وواقعنا لان المواطن المسكين جاهل لا يعلم. أتذكر اول وآخر زيارة لي للقاهرة في عام 1999. أذهلتني الأوساخ والقذارة في كل مكان. أكثر ما صدمني هو مدى اعتياد الناس على ما يرونه من حولهم وكيف استمروا في حياتهم كما لو لم يكن هناك أي مشكلة. شعرت بالغثيان من فكرة حتى أني امشي على الأسفلت الوسخ. ها انا اليوم أصبحت مثل اخواني المصريين أتجاهل القمامة واعيش حياتي وكأنني في غابات فانكوفر.

عندما اقتربت من شارع الشعب أمام الديوان الملكي في دابوق ، بدأت ألاحظ تغير لون حجر الرصيف ورائحة قوية لمواد كيماوية. حسيت نعل حذائي الجري يلتزق بالرصيف، ويمكنني أن أشعر بشيء يشبه تفاعل كيميائي يحدث بين المطاط ومادة كانت تلامسه من الأرض. كان ذهني المخدر يحاول إقناعي أن ما كنت أشعر به هو سولار مسكوب على الرصيف، كأنه لو كان وقود فهذا مقبول! فواصلت الركض وانا احلم بالمشاريع التي يمكنني من خلالها الاستمرار في الدعوة إلى المزيد من الممارسات الصديقة للبيئة التي يمكننا تبنيها في المنزل، خاصة وأن الأردن كان قد أعلن قبل أيام التزامه باتفاق باريس للتغير المناخي. كنت أحاول أن أقرر ما إذا كنت سأجري تحت ما بدا لي وكأنه بربيش سقي بجوار سور الديوان الملكي، لتنشيطي وانعاشي حتى وان كانت مياه السقي مياه صرف صحي. (شو بده يصير وانا مناعتي قوية زي الحجر أصلا؟) عندما قربت، لاحظت أن عامل الأمانة (او يجوز الشركة المتعاقد معها للعناية بمزروعات المنطقة) “يسقي” وهو يرتدي “اوفرهول” ليحمي ملابسه. وأصبح من الواضح لي أن “الماء” كان في الواقع مبيدًا كيميائيًا. كانت النافورة التي كنت أفكر في الركض تحتها عبارة عن دش للمواد الكيميائية السامة. وباطن حذائي وحجر الرصيف وجهازي التنفسي عم يتجاوبوا بموت بطيء لهذا السم الذي يقتل الحياة. ولم يكترث احد للموضوع ويحرك ساكنا. لم يطلب مني أحد تجنب الحمام الكيميائي. وحصل ما حصل في هواء المنطقة وابطال الجيش العربي على مواقعهم على بوابة الديوان يتنفسون السموم.

ثم تذكرت (كعادة ذهني الغريب) قصة مدينة فلينت في ميشيغان في امريكا. في أبريل من عام 2014، اتخذت مجموعة مسؤولون في المدينة قرار كارثي لتبديل مصادر مياه الشرب وضخها عبر انابيب معدنية متآكلة عفى عليها الزمن انتهت إلى سلسلة من إخفاقات في الحكم والبنية التحتية تسببت في تلوث مياه الشرب بمستويات عالية من الرصاص. تركت ١٠٠،٠٠٠ فرد من سكان المدينة وبخاصة أطفالها بتسمم بالرصاص سيعانون منه مدى الحياة. تسببت الأزمة في تكلفة لا توصف وأدت إلى انشقاقات عميقة في ثقة الجمهور. قصة فلينت درسًا لا يرحم في التكلفة الإنسانية لتأجيل الاستثمارات الأساسية في البنية التحتية وإعطاء الأولوية للمخاوف الاقتصادية والإشباع الآني لاهداف واعتبارات سطحية لها تبعات وآثار كارثية على المدى البعيد. مع العلم انه تم توجيه تهمة القتل غير العمد في عام 2017 للمسؤولين عن هذه القضية. 

جشع واهمال وربما قصر نظر نتج عنهم كارثة إنسانية وبيئية قد لا تحل. لكن هذه أمريكا. ماذا عن حالنا؟ نرش كيماويات على المزروعات في عز النهار والشعب ماشي حواليها.

اذا امريكا تعاني من انابيب متآكلة، فما حال أنابيبنا يا ترى؟ اتهمني البعض يوم امس بالتسرع في الحكم على ما رأيت (وشممت). قالوا الأجدر بي ان أتأكد من المادة التي كانوا يستعملوها قبل التسرع باتهام الأمانة بالإهمال والاستهتار. خلينا نكون صريحين قليلا مع أنفسنا ومع بعض. هل نؤمن حقًا ان المبيد الكيميائي امن ولا يؤذي؟ هل حقيقة ان صدري “سكر” ونعلي بدأ يذوب والعامل الذي يرش السم يرتدي ملابس واقية، أليست هذه الحقائق كافية لانذارنا ان ما حدث ضار؟ وإذا كانت المادة تهدف إلى قتل كائنات على النباتات، فهي تقتل أيضًا كائنات حية في جسم الإنسان ثبت علميا انها المحرك والميزان لصحة الإنسان. لسنوات طويلة، نجحت شركة مونسانتو العالمية بإقناع المزارعين والحكومات بأن المبيد Roundup كان آمناً للبشر ، حتى وقت قريب جدًا عندما ثبت أن هذا ليس هو الحال بتاتا وأعلنت الشركة إفلاسها وتغرق حالياً في الدعاوى القضائية ضدها من أفراد يعانون من السرطان وبعضهم توفي بعد الحكم لصالحهم وتعويضهم ملايين. 

لا أحتاج إلى التحقق من ماهية المنتج. ما تقوم به الدولة هو رش مواد مصممة لقتل الكائنات الحية. لقد أثبت العلم بشكل لا لبس فيه أن جسم الإنسان يحوي كائنات حية غير بشرية أكثر من خلايانا “الإنسانية”. ما تقتله هذه المركبات على النباتات، تقتله فينا البشر.

وعندما يتم ذلك أمام عيني وعين كل من يمر بالشارع، هذه دلالة أن الحكومة لا ترى شيئًا خاطئًا فيما تفعله. وهو ما يؤكد لي أنهم يتصرفون من جهل. واذا الحال والواقع ان هناك أشخاص جاهلون يقودوننا ويتخذون قرارات لحماية صحتي وصحة أطفالي، أخشى أن يكون لهذا عواقب وخيمة لا تبشر بالخير بأي معايير.

المصيبة اننا نعترف اننا شعب غير قارئ. نعترف ان مستوى المعرفة والتعليم “مش ولا بد.” همنا نتعين ونقعد على الكرسي، نشرب قهوة وندخن سيجارة وندوخ المواطن بالبيروقراطية. ونصدر الفتاوي والانتقادات مثل ما بعمل الان في مدونتي بالضبط. نثور قليلا لما تصير مشكلة، ثم نهدأ ونتناسى ونعاود مشينا بين الزبالة وسحابات المبيدات. نشتغل مع الخبير الأجنبي على استراتيجيات وخطط دول الإعلام الأول استحت تعملها. 

ساعدوني بقرع جرس الإنذار هذه المرة. اخطر ما يمكننا عمله ان نسلم امرنا لمسؤولين جاهلين. مسؤولون عن حياة البشر وسلامتهم وصحة كوكبنا يحاولون إقناعي بأنهم ملتزمون بمعاهدة المناخ. اي مناخ هذا الذي يتحدثون  عنه؟ فقدت الثقة في كل مسؤول. لا أثق أن هناك سلطة تحميني وتعي مفهوم الصحة أصلا. المضحك المبكي أن الحكومة مشغولة هذه الفترة في استراتيجية لابراز الأردن كوجهة للسياحة “الصحية”، وتعمل على الإعلان عن برامج إصلاح وترسيخ حقوقنا المدنية والمساواة والتمكين. كيف لنا ان نتكلم عن اَي من هذه الأحلام عندما يكون حق الإنسان الأساسي في استنشاق الهواء النقي مسلوب؟

قبل أن نبدأ الاحتفال بحظر الأكياس البلاستيكية، والتظاهر على الساحة الدولية بأننا “استيقظنا” بيئيًا، فلنبدأ في إلقاء نظرة صادقة حقًا على أنفسنا ونسأل: ما هي المؤهلات التي يتمتع بها هؤلاء المسؤولون لحماية حقي الأساسي في العيش؟ “اذا اللي بره سخام، شو بقي للي جوه؟”

One Comment

  • Nashwa says:

    ?????? ?????? ???? ??????? ???? ????? ???? ????????? ? ??? ????? ??????? ?????? ?????? ??? ?? ????? ?? ?? ??? ? ??? ? ???? ???????? ? ?? ????? ??????? ??????? ? ?????? ????? ???? ??????? ??? ???? ??? ? ???? ???? ?? ????. ??? ???? ????????

Leave a Reply