Read

ما جاب آخرتنا غير ثقافة “مش وقته”. سامحينا بيروت. صنعاء. القدس

By August 7, 2020 August 11th, 2020 5 Comments

اقسم بالله اني خجلانة اعترف انني وصلت شواطئ هاواي ولم اصل بيروت.

“مش وقته” كان. انفجار، اضراب، هدوء حذر. اقتصاد منهار. مظاهرات. دائما “مش وقته.” زي زيارة فلسطين بالضبط. بعدها مش وقتها. فاكتفيت اسمع قصص زمان عن ايام بيروت من والدتي، ونحن نتفرج على البومات صور جامعة بيروت للبنات. كنت اصفن بصور والدتي مع زميلاتها بالجامعة: جمال واناقة وحب وعاطفة وشغف للحياة بعيونهن. تسريحات شعر اخر موضة، والله احلى من اجمل ممثلات هوليود. ليس فقط بالصور، بقيت اتامل باعجاب وذهول زميلات والدتي لما كنت التقي فيهن في عمان: اذكى وانقى واشطر نساء، قدوات في القيادة والعمل “والجدعنة” على كل الصعد. وهن الان في الثمانينات من العمر. 

بقيت احلم بزيارة لبنان لما يصير “وقتها” بصحبة والدتي طول الله في عمرها، بالضبط كحلم العودة الى القدس. حلفت امي ان لا تدخل القدس الا وهي حرة عربية فلسطينية مستقلة (من المحتل وممثل المحتل الفاسد.) ألملم حاجاتي واستعجل بالمغادرة كل ما اشعر ان الكلام المحفور في قلبي يتحرك الى لساني. لا اريد ان اقولها علنا: يا ترى كم عمر بده يطول حتى ترجع فلسطين؟ 

خليني بالبومات الصور وذكريات امي. والكلام الذي ينخر روحي في صمت قاتل.

من الصغر وانا تمنيت ان اكون لبنانية. على كبر، ادركت ان اكثر ما احبه في لبنان اللهجة الرقيقة الخفيفة، التي تناقض بشكل صارخ لهجتي الثقيلة التي ربما تكون الهوية الواضحة الوحيدة لاصولي من الجزيرة العربية واليمن بالتحديد. “المسبة” باللهجة اللبنانية مقبولة زي السمن على العسل. المديح بلهجتي يبدو كأنه توبيخ! هذا ناهيك طبعا عن طبيعة الشعب اللبناني التي اعرفها عن قرب وسمعت عنها من والدتي. حتى ايام الحرب، بقيت موسيقى والحان لبنان تطيب جراح كل عربي هدته مشاعر الذنب والحزن على لبنان، وكأنه مسرح لمرض وفساد البشرية باكملها. ما خلوا شي ما نوروا به عالمنا العربي من شعر وطرب وثقافة. درست وما زالت تدرس اجيال عربية باكملها ساهمت في بناء العالم كله.

تفاجئت الاسبوع الماضي —قبل التفجير وقبل ما يتغير العالم— بتقرير عن الوضع الغذائي بلبنان وحلول مؤكد لمجاعة اخر السنة ستهدد حياة اكثر من مليون ونصف طفل. علقت اللقمة التي كنت امضغها في فمي ونزلت زي النار على معدتي. تماما مثل قصة اكثر من ٣ ملايين طفل يمني و١٧ مليون يمني يعانون من مجاعة من ٢٠١٦. 

نحن في باقي العالم نموت كل يوم من اثار التخمة والشراهة والجشع. وندفع الاف الدولارات لقضاء بضعة ايام في منتجعات تحاكي المجاعة ذاتها حتى نلبس اخر صيحات الموضة ونعمل الواجب على صفحات التواصل الاجتماعي نطالب بعدالة اجتماعية من هون، وتحرير فلسطين من هناك، وننظر ونفتي باخر التكتيكات السياسية ونظريات المؤامرة. وكله كوم، وجماعة الدين كوم ثاني التي اخذت على عاتقها مهمة حماة الدين وجنود الله على الارض. تغسل الكعبة بيد، وتدمر اليمن باليد الثانية. تقطع انسان وتضع اشلائه في حقيبة سفر على مرأى العالم، ثم تطبل وتزغرد احتفالا بانفتاحها الجرئ المتمثل بحفل موسيقي للهيب الهوب. 

ربنا بعيد كل البعد عن دينهم وتمثيلهم ونفوسهم المجرمة.

انفجار مرفأ بيروت انفجار في قلب البشرية جمعاء. بغض النظر عن سبب الاشتعال: قنبلة، صاروخ، سيجارة، احتباس حراري. ما بتفرق. اسرائيل، اوروبا، حزب الله. ما بتفرق. انفجار بيروت هو الرد الالهي لثقافة “مش وقته.” هل يعقل ان نتوقع من اي حكومة ان تلتفت لالاف الاطنان من نترات الامونيوم وهي مش قادرة تطعم شعبها؟ 

وقته؟

يا خوفي نأخذ نفس الرد للجماعة نفسها التي تصيح وتولول على القنبلة البيئية التي تنطبخ جراء استهتار وفساد وجهل وجشع جيل من الحكام نصب نفسه بمباركة الشعوب خادم للاوطان.

مش وقته.

بدأ المنظرون بلوم ال ٤٠،٠٠٠ واكثر لبناني الذي وقع عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي. حاولت اتخيل نفسي في بيروت الان، بيتي مهدم، اطفالي شهداء، رأسي مقطب. ماذا كنت سافعل؟ الى متى تستمر الشعوب المسكينة، الشعوب العاملة التي تحمل الوطن على اكتافها تقدم شهداء وتضحيات لامتنا العربية الفاسدة بينما يجلس الكبار في منتجعات الغرب لتخسيس اوزناهم؟ اليس من حقها ان تعيش وتتنفس وتاكل بكرامة، ونقبل جبينها وايديها لخدمتها للوطن؟ ولا محكوم عليها الشقاء والعذاب والجوع لانهم كما يبشرهم خدم المقدسات لهم الجنة والحور العين؟

متى وقته؟؟

الانتخابات لن تغير شيء للاسف. صديقة في امريكا راسلتني امس وقالتلي انها تأمل ان يتغير الوضع مع الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة. ماكرون شرط انتخابات في لبنان. نحن في الاردن على مشارف انتخابات نيابية. كلها تمثيلية بايخة تعبنا منها. النظام الاممي والسياسي والمؤسسي والاداري نفسه نظام مكسور ولا يمكن تلزيقه. مكانه محرقة التاريخ لانه لا يمكن حتى اعادة تدويره. 

خجلنا نتطلع بعيون الجيل الجديد. شو بدنا نقولهم؟ اسفين، والله ما كان وقته. العوض من الله؟

اسمحولي اكتب بلهجتي. ولو انها ثقيلة على القلب. بجوز لاني وصلت عمر مش فارقة معي شو بفكروا الناس. ولا افهم الا البساطة. عقلي لا يستوعب اكثر منها. بصراحة فخار يكسر بعضه. مهو كله مكسور اصلا. قد تكون هذه البساطة حكمة تاتي مع الكبر. وقد تكون عكس الحكمة تماما، سذاجة وربما غباء. لكنني لم اعد احتمل التنظير والنقاش الذي كان والدي يسميه نقاش بيزنطي لانه فقط نابع من حبنا لسماع اصواتنا النشاز. يا ريتها فيروز. مجتمعي الصغير مليئ بهذه الشخصيات التي حفرت ثقوب باذاني. 

بعدهم بحكوا بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص! والاقتصاد الاخضر وقلوبهم رماد. وغيرها من المفاهيم والنظريات التي اثبتت خلوها من اي فاعلية لحل اي ازمة كانت من قضية بسيطة كتنظيف الزبالة بالشارع لارتداء الكمامات وغسيل الايدي. هذا ناهيك عن المئات من المنصات الالكترونية والتقنيات التي تم تقديمها على سبيل المثال لمجتمعنا الاردني البسيط الذي بعده لا يستعمل بطاقات الائتمان اصلا ومعظم الوقت الشبكة عطلانه والبرنامج لا يشتغل. اي منصة الكترونية تستطيع ضمان اكل صحي نظيف ونفوس نقية؟

التكنولوجيا وقتها.

مش وقت سيادة القانون. مش وقت الاخلاق. مش وقت المحاسبة. مش وقت التنظيف. مش وقت الانسانية.

اعترف اني ساذجة وبسيطة في تفكيري لابعد الحدود. لا احب السياسة ولا افهم بالاقتصاد اللي جاب اخرتنا وفجر قلب بيروت. يجوز الحل هو نظام عالمي جديد قائم على منظومة قيم مشتركة تحل مكان الدستور والانسانية مكان الراسمالية. 

الام اللبنانية واليمنية والفلسطينية بدها تعيش. بدها تطعم اولادها وتعلمهم، تفرح فيهم وتحضن احفادها، تسرد لهم قصصها بالصغر وتشاركهم البومات الصور. بدها تشرب شاي تحت السنديانة والزيتونة، تاكل زعتر وتسمع فيروز بتغني زهرة المدائن من سماعات الاقصى. بدها كل رجل دين يحرم الموسيقى والحب، الكلب والشعر (بالكسر والفتحة) يخجل يفتح فمه. 

وقته ونص. 

رحمة الله على كل شهيد وكل نقطة دم روت الارض. من كل بطن جائع اطلب السماح ومن الله المغفرة على قلة حيلي.

5 Comments

Leave a Reply