Read

مفهوم النعمة كما يراها العلم: دفاعا عن التربة … وخارطة طريق للحياة

By October 6, 2020 October 7th, 2020 One Comment

حان الوقت.

حان الوقت الى منظومة وخارطة طريق تضمن للانسانية حياة آمنة، صديقة للأرض وكل من عليها تنظم العيش والاقتصاد والتعليم والصحة. حان الوقت للتخلي عن مفاهيم متعبة – وغير مجدية فعليا – مثل “الاستدامة”. إن أسس العمل الخيري كما نعرفها ضعيفة وقصيرة الأمد والأثر. ولم تعد كافية. حتى إن ”التمكين” اصبح مفهوم آخر يسلب القوة ويهين الإنسانية. وكذلك هي حال أذرع المسؤولية الاجتماعية للشركات: تمثيلية تهون علينا آلام تأنيب الضمير الحي الذي لا يموت مهما حاولنا. وضع الانسان اليوم أشبه بهذا الذي يسير في الحياة منهكا من ثقل انبوبة الأكسجين، ولسعة المحلول الكيميائي النووي في الوريد لابقاءه حيا، يحاضر في الاستدامة وهو يصارع للصمود في قلب عاصفة رملية من التربة السطحية التي نخسرها كل يوم نتيجة ممارساتنا المدمرة للبيئة والتي تنذر البشرية بالانقراض. ان دفن رؤوسنا في التربة الميتة ليس خيارًا إذا أردنا ضمان كوكب قابل للحياة لأحفادنا. نعم ، نحن نتحدث عن بضعة عقود فقط

أجد نفسي مهتمة جدا وعندي فضول عندما تلتقي العلوم والروحانية. (صدقوني، الموضوع يستاهل تفكر.) فأغوص في هذا البحر حتى اتعلق بمبدأ قد يثري الحياة ويرتقي بالوعي الجماعي للنهوض بنا جميعا: انسانية وارض وكافة المخلوقات. هذا بالضبط ما حصل عندما سمعت شرح لمفهوم “النعمة” من منظور علمي من الطبيب زاك بوش حين وصفها ببساطة: عندما يكون الشفاء أسرع وتيرة من الجرح والأذى. وقفة قصيرة عن الأذى تسمح للطبيعة القيام بعملها الفطري في التجديد والخلق. على فكرة، هذا المبدأ يشملنا ايضا. فنحن من الطبيعة – للطبيعة. راحة من الأذى تدعم جسم الانسان للقيام بعمله الفطري في البناء والشفاء والتجديد. هذه النعمة بعينها

كان لوباء الكورونا دوراً هاماً في توجيه الحكومات إلى تدارس مدى فاعلية نظامها وأمنها الغذائي، بالإضافة إلى سيادته. إذ أصبحت هنالك حاجة ملحة لإعادة التفكير في السياسات الزراعية، خاصةً وأن الممارسات الحالية تنذر إما بزوال البشرية أو ازدهارها 

إلا أنه وللأسف، يبدو أن الاستراتيجية المتبعة لإرضاء الرأي العام لدى الحكومات مثل الأردن تتمحور حول تطبيق أعمى لنماذج وكتيبات تعكس مطامحاً وتطلعات من شأنها أن تخدم الشركات الزراعية والادوية الكبرى، والتي ترتكز رؤيتها حول تحقيق أرباح قصيرة الأجل مع ضمان استمرار الدول النامية في الاعتماد عليها كمصدر لمدخلات زراعية غير متجددة، الأمر الذي سيؤدي بالنهاية إلى تأطير الاعتماد الكلي عليها لغايات تحقيق الربح دون الالتفات إلى الأثر البيئي والمناخ، الإستدامة، والأهم من ذلك كله احترام الطبيعة والتعايش معها.

إن صحتنا غير مستقلة، إنما تعتمد على العديد من العوامل التي ترتبط مع بعضها البعض. إذ ترتبط حياة الإنسان ارتباطاً جوهرياً  بالنظام البيئي الهائل والذكاء الكوني للحياة على الأرض. في الواقع، تعتبر البيولوجيا غير المرئية علامة الصحة على هذا الكوكب والتي تشتمل على الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في تربتها. (وهذه تشمل أيضًا فيروس كورونا الذي نحاول القضاء عليه في الوقت الذي يدرك فيه العلم ان الفايروس كائن غير حي.) حيث يعتبر التنوع البيولوجي أمراً في غاية الأهمية للأرض ولصحة الانسان، فهي تؤثر على عملية الهضم وصحة الدماغ وتعتبر عماد المناعة لدينا. أي اختلال في هذا التنوع البيولوجي من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على نظامنا البيئي الداخلي وصحتنا بشكل خاص. ها نحن اليوم نفقد نوعًا ما للانقراض كل 20 دقيقة. فلا عجب أننا نشعر بالذعر. (قدر بعض العلماء فترة ٣ سنوات تفصل زوال البشرية عن انقراض النحل. ومع هذا، ظهرت محاولات ابتكار لتطوير نحل مصنع!)

موضوع السيادة الغذائية ساخن هذه الأيام. ولكنه يبدو ان مفهوم “السيادة” نفسه يتطلب إعادة تفكير. فهل هي سيادة ان كنا مرتبطين بمخلوقات الكون في الوقت ذاته؟ أعتقد نعم — لأن جوهر السيادة هو ذلك الارتباط كما يظهر لنا اليوم بدون اي شك.

إن الركيزة السادسة – والأهم برأيي – للسيادة الغذائية في الركائز الست للسيادة الغذائية تنص بوضوح على أن الحكومات ذات السيادة تعمل مع الطبيعة من خلال تعظيم مساهمات النظم البيئية ورفض الطاقة المكثفة غير المتجددة، المصنعة بطرق إنتاج مدمرة . فهذا واقع لا نستطيع تجاهله أو انكاره. لماذا إذن يُبذل كل جهد للقيام بالعكس تمامًا؟ لدرجة الهوس بالابتكار على حساب البيئة والذكاء الكوني حتى اننا نجد أنفسنا في حفرة كيميائية عميقة كثيفة الاستهلاك للطاقة ومدمرة ومستنفدة للحياة؟ هل يعقل ان نفكر بتصنيع نحل آلي بدلا عن انقاذ النحل الطبيعي بالتوقف عن ممارسة الأذى واعطائه الفرصة للحياة؟ 

عوضاً عن التركيز على التجديد والاستثمار في الحياة، تكرس معظم الحكومات جهودها في “تطوير” سبل علاج للمشاكل الناتجة عن السياسات والآليات غير المجدية في التعامل مع البيئة والتي تعتبر أساس المشكلة الواجب تجنبها من البداية.

قصة النحل الآلي تذكرني بالهوس الحالي بالزراعة المائية، التي أخذت حيز كبير في استراتيجيات العديد من دول العالم وخاصة في المنطقة العربية. يمكن تعريف الزراعة المائية على أنها الابتكار الذي يلغي التربة والشمس من خلال الاعتماد على التصنيع الاصطناعي، والتي من المفترض أن تساعد على الإدارة والتحكم في الكم الهائل من المشاكل والآثار الجانبية الناتجة عن ممارساتنا الخاطئة المؤدية إلى تدمير الطبيعة والعمل ضد الخلق والتجديد ضمن النظام البيئي المتكامل. 

يجادل المدافعون عن الزراعة المائية أن اطعام النبات اسمدة مصنعة بقوارير اقل كلفة. لكن يصعب تصديق ذلك نظرًا لأن تكلفة الإنشاء الأولية مرتفعة وغير مجدية لصغارالمزارعين ما لم يتم ذلك على نطاق واسع. أضف إلى ذلك حقيقة أن مدخلات الزراعة المائية كلها غير متجددة. يتم إخفاء تكاليف الإعداد فتبدو كأنها حيلة لبيع معدات الزراعة المائية

هناك ادعاء شائع آخر من قبل دعاة الزراعة المائية أن التربة ملوثة. السؤال الواجب طرحه بمثل هذه الحالة هو على من تقع مسؤولية تلويث التربة، كيف ولماذا؟ الحل الأكثر منطقية لجعل البيولوجيا مركز وجوهر للحياة يكمن في تنظيف التربة بالزراعة المتجددة، لا بلغيها. تعتبر الزراعة المائية مجرد آلية هروب من الفوضى التي خلقتها شركات الزراعة والأدوية الكبرى، والتي تنذر بمشاكل صحية جديدة من خلال زراعة الأغذية بشكل مصطنع ضد الطبيعة. فالتربة غير المحروثة والتي تحتوي على 3% فما فوق من المواد العضوية تعتبر الأفضل. هي مصدر تغذية وتعقيم فعال لمياه الأمطار والهواء، بالإضافة إلى قدرتها على عزل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين وتحويلهما إلى هيدروكربونات لتغذية الجذور

أن الادعاء بأن الزراعة المائية أنظف يجب ان يستخدم ضدها. فالعلم يقول ان البيئة المعقمة هي في الواقع نقيض الصحة، فالبشر لديهم ميكروبات أكثر من الخلايا البشرية في نظامهم البيئي الداخلي، وهذه الميكروبات هي التي  تدير مكنونة الصحة في أجسامنا. لصحة فضلى، يجب أن يكون التركيز على ازدهار وصحة هذه البيئة الميكروبية بالذات، سواء داخل أجسامنا أو في التربة.

الزراعة المائية لا تحل الجوع ، على الرغم من ادعاءات الصناعة المأخوذة من كتيب استعمال شركات البذور المعدلة وراثيا و Monsanto (رحم الله علامتها التجارية عديمة الروح). لقد رأينا مرارًا وتكرارًا عدم جدوى هذه الحجة. 70٪ من سكان العالم يتغذون في الواقع من مزارع عائلية صغيرة.

ندرة المياه هي أحد أعراض التربة المستنفدة. تحب الزراعة المائية إقناعنا بأنها تستخدم كميات أقل من المياه. إن التربة الصحية تعمل على امتصاص مياه الامطار وتغذية المياه الجوفية وتجديدها. أما مشكلة ندرة المياه، فهي نتيجة مباشرة لاستنفاد التربة، وفقدان التربة السطحية – وما ينتج عن ذلك من ظاهرة الاحتباس الحراري. لا توجد بنية جذرية لتماسك التربة معًا والسماح بدخول المطر. المشكلة ليست نقص المياه ، بل الاستخدام غير السليم لمياه الأمطار وتجديد طبقات المياه الجوفية نتيجة تدهور التربة. بتجديد التربة، يعاد توليد الحياة.

إن التغذية السليمة للبشر تأتي فقط من التغذية السليمة للتربة. التغذية السليمة للتربة تضمن الحياة. تعتمد مرونة واستدامة إمداداتنا الغذائية والحماية من تغير المناخ على التربة. تتجاوز الفوائد البيئية للتربة مجرد زراعة النباتات.  

فهي جهاز إعادة التدوير الطبيعي والمتجدد. وهو متوفر مجانا ولا يمكننا التفوق عليه.

في رأيي، اي تصرف يحارب الطبيعة يعتبر قمة الغطرسة والجهل الإنساني، إذ ان إزالة التربة من معادلة الزراعة تعني القضاء على البيولوجيا وبطبيعة الحال القضاء على الحياة.  فهي رهان على التكنولوجيا البشرية متمثلة بعدد قليل من الشركات العالمية لتزويدنا بالحياة، دون الالتفات إلى دروس التاريخ الواضحة التي تشهد بأننا عاجزون امام الطبيعة ولا يمكننا التفوق عليها ابدا. ولسنا بحاجة لأن نخوض هذه المعركة اصلا. إن نظام الزراعة الحالي غير فعال، ويكمن الحل في التركيز على عملية تجديد وخلق تندرج تحت العمل بالاشتراك مع الطبيعة لتحقيق نظام بيئي متناغم يمهد لحياة وصحة أفضل للجميع.

الزراعة المائية في جوهرها زراعة بدون تربة، غير مستدامة، بمدخلات غير متجددة، معتمدة اعتماد كلي على التكنولوجيا ومربحة لفئة ضئيلة مقارنة بما تسببه من ضرر للكوكب وصحة الإنسان.

نحن بحاجة إلى تبني مبدأ النعمة في كل مناحي حياتنا.

” في كل مداولاتنا، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار مقدار تأثير قراراتنا على الأجيال السبعة المقبلة”.

The Iroquois Great Law of Peace

نحن من الطبيعة. هدفنا هو العمل مع – وليس ضد – الطبيعة. يتعافى النظام البيئي بشكل أسرع دون تدخلنا. في موسم واحد للراحة (18 شهرًا) ، يمكننا إيقاف الضرر وستتجدد الحياة دون اي تدخل منا. ما يجب علينا الإقرار به هو أن الحياة تولد حياة، فعملية التجديد تعمل بالتوافق مع دورة الحياة في الطبيعة. الميكروبات ضرورية لتجديد الكوكب، والتربة هي الموطن لهذه الكائنات الحية التي تعيد تكوين ما كان قد تحلّل بالتربة، فهي المكان الذي تُخلق فيه العناصر الغذائية التي تغذي الجذور، وبالتالي تغذي النباتات، ومن ثم الحيوانات، الأمر الذي يؤدي بنهاية المطاف إلى تغذية الإنسان

إنه نظام عبقري بسيط تحكمه “النعمة”. هل يمكننا تخيل عالم يركز على الشفاء؟ هل يمكننا إعادة تخيل الاقتصاد والتعليم والصحة والتكافل الاجتماعي؟

اما آن الأوان ان تكون الحياة والتجديد البوصلة وخارطة الطريق؟

One Comment

  • Rakan says:

    أشكرك من قلبي على اهتمامك بموضوع التربة وأهميتها لمستقبلنا و مستقبل أبنائنا.
    أتفق معك تماماً و أتمنى أن نجد حلول عملية لتشجيع الرعاة الطبيعية التي تعنى بصحة التربة والإنسان سواء.

Leave a Reply